ابو البركات
47
الكتاب المعتبر في الحكمة
امتصصناه من الهواء ولو لم نمصها حتى يخرج منها ما خرج من الهواء لم يدخل الماء الا بخروج الهواء ولم ينزرق صاعدا وانما اصعده جذب الخلاء فذلك الهواء الذي يضطر إلى خروجه في دخول الماء هو الذي أخرجناه بالمص وبقدر ما أخرجناه منه دخل من الماء وانقسر صاعدا بجذب الخلاء . ويقولون إن الجذب في الأجسام الطبيعية يكون بضرورة الخلاء فإنه يجر الأشياء ليمتلئ بها ويجعلون شهوات الحيوانات للغذاء وجذب الأشجار للماء لضرورة الخلاء وانه إذا خلا اشتاق إلى ما يملأه فكذلك يشتاق الحيوان إلى الغذاء ويزدرده مسرعا عند خلو جوفه كما ازدردت هذه القارورة الماء وجذبته إلى جوفها سريعا وقالوا أيضا انا نرى الأجسام تتكاثف وتتخلخل وانما تتكاثف بقلة الخلاء وتتخلخل بكثرته كما ترى الماء يسخن في القدر فيملأها ويفيض عنها أو يصدعها قالوا ويملأ الاناء رمادا ثم إنه يسع مع الرماد ملأه ماء فلو لا الخلاء لما وسع ملئه مرتين وانما يدخل الماء فيما بين الرماد من الخلاء أو الرماد فيما في الماء منه أو كل منهما فيما في الآخر منه والناميات انما تنمو بدخول الغذاء فيما بين اجزائها ولا تدخل في ملأ وانما تدخل في خلاء فالخلأ محسوس مما ذكرناه معقول متصور تتعاقب المتمكنات عليه وان لم يخل منها وحقيقة غير حقيقة ما يملأه ويتعاقب عليه كما أن حقيقة الجسم غير حقيقة ما يتعاقب عليه من الألوان والاشكال وغيرها ويستدل عليه بالحركات وانها لا تكون في الملأ المزدحم وانما تكون في الخلاء فان المتحرك إذا تحرك في ملأ فلا يخلوا ما ان يدفع الماء « 1 » فيحركه واما يداخله فيلزم من حركة المتحركات في الوجود اما وجود الخلاء واما تداخل الأجسام بعضها في بعض واما ان يكون إذا تحرك متحرك واحد أن يتحرك العالم بحركته ويتموج الملأ باسره تموجا مضاهيا لتموجه وهذا القسم الثالث يبطله العيان فانا نجد أجساما تتحرك وأجساما تليها ساكنة لا تتحرك بحركتها فبقى الوجهان الآخر ان اعني التداخل والخلاء أو أحدهما والتداخل كما ستعلم يشهد بوجود الخلاء فوجود الحركات المكانية في الأجسام يشهد بوجود الخلاء .
--> ( 1 ) صف - يدفع الملأ .